محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
184
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
9 - يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ . الخداع هو الإخفاء ، وسميت الخزانة المخدع ، والأخدعان عرقان في العنق سميا بذلك لخفائهما . وقالوا خدع الضب خدعا إذا توارى في جحره فلم يظهر إلا قليلا . أما الخداع الخلقي فهو إظهار ما يوهم السلامة والسداد ، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير . وكانت هناك أمور دفعت هؤلاء المنافقين للمخادعة بإظهار الإيمان مع إبطان الكفر . فالمنافقون يمثلون لونا من الأعداء الذين تصدوا للإسلام بعد أن انتقل من مرحلة الضعف إلى القوة . حينما كان المسلمون في مكة ، كانوا قلة مستضعفة ، ولهذا كان عتاة الكفار من قريش يسخرون بهم ويؤذونهم . ولقد هاجر الرسول الكريم مع المؤمنين من أهل مكة إلى المدينة ، وهناك قوي أمر الإسلام إذ وجد من الأنصار مساندة قوية ، وأصبح المسلمون هم القوة الغالبة في الموطن الجديد الذي هاجروا إليه . من هنا كان ظهور فئة المنافقين لأسباب متعددة ، ( أولها ) أنهم ظنوا أن النبي والمؤمنين يعظمونهم ويكرمونهم إذا هم أظهروا الإيمان خداعا مع بقائهم على كفرهم ( وثانيها ) أنهم ربما أرادوا بإظهار الإيمان أن يطلعوا على أسرار النبي والمؤمنين ثم ينقلوها إلى أعدائهم من الكفار . ( وثالثها ) أنهم دفعوا عن أنفسهم القتال ، فالرسول كان يقول : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ( ورابعها ) أنهم ربما طمعوا بهذا النفاق في الحصول على شيء من أموال الغنائم . وأما معنى مخادعة المنافقين للّه ، وهو العالم بالأسرار ، فقد أولها الفخر الرازي على أن المقصود بها مخادعة النبي . وقد وردت آيات يذكر فيها اللّه ويكون المقصود النبي ، حينما يكون الموقف مقتضيا تعظيم شأن الرسول ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ فالرسول وهو المنفذ لإرادة اللّه ، الداعي إلى دينه ، كانت مبايعة المؤمنين له مبايعة للّه ، وكذلك كانت مخادعته من جانب المنافقين مخادعة للّه ، لأنها ترمي بالنفاق والرياء إلى إحباط دعوة الحق ، ومناصرة الشرك .